هندسة المجتمع

أ.د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

يتحرك المجتمع بمختلف أفراده وأسره ومؤسساته العامة والخاصة والشعبية من خلال مستويات متعددة لأنماط عدة منها الممنهج ومنها الفوضوى! وحين نستدعى أساسيات المنطق الهندسى لإصلاح المجتمع نجد أنه يتحرك ويتفاعل كأى آلية إنتاج من خلال جزئياته تحقيقاً لأهدافه التى يجب أن تواكب بداية تحركه الواعى ولا تنفك عن التعامل معه فى مختلف مراحله أخذاً وعطاءً، تعديلاً وتقويماً، ليتقدم المجتمع صوب تحقيق تلك الأهداف. تلك الجزئيات تتمثل فى الأمور المادية كالمؤسسات والوزارات والجمعيات والأفراد والأسر والتجمعات الاجتماعية والسياسية وغيرها كما تتمثل فى علاقات تلك الجزئيات البينية والتى بدون تحديد أهدافها يصبح الأمر أقرب للعشوائية التى تشابه لحد ما منظومة الإفساد التى تُدنى المجتمع بينما تستدعى المنظومة الموجبة البناءة وضوحاً فى الرؤية والمسار وتناغماً أكبر بين مختلف جزئياتها وصولاً لحالة مستقرة موجبة صاعدة بالمجتمع.

وحتى لا يكون الحديث مرسلاً فبالمثال يتضح المقال. كيف تتفاعل سلطات المجتمع الثلاثة: القضائية والتنفيذية والتشريعية؟ أتتفاعل فيما بينها مباشرة أم من خلال سلطة أعلى وما هى؟ وهل من المفيد أن يكون للعدل مثلاً وزارة ضمن السلطة التنفيذية وما هى حدود سلطة وزيرها على أداء المنظومة القضائية؟ قضايا عديدة تستدعى شفافية العلاقة. ولا يقتصر الأمر على المؤسسات العامة فعلى الجانب الاجتماعى المصغر وهو الأسرة كيف تتشكل العلاقة الأمثل بين الأب وابنته؟ أهى علاقة مباشرة أم من خلال الأم؟ ولا يمكننا أن نتناسى أن الأسرة المصرية لم تعد فى مجملها محددة الأركان والعلاقات، فلقد تغافل عنها أساتذة علم الاجتماع وتكالب عليها زبانية الإعلام وتناساها مخططو التنمية فباتت فى مهب الريح بلا هدف وبلا دليل وباتت قيم الحرية تعنى الفوضى بلا ضوابط! لقد شحت الدراسات التى تؤطر لعلاقات مؤسسات الوطن ناهيك عن تنظير الوضع بغية تطويره فلم نسمع عن نظرية عامة قابلة للتطبيق على الواقع المصرى فكل ما نسمعه اجتهادات تعالج جزئيات بعينها رغم تقاطع مختلف جزئيات الوطن مع بعضها!

وللخروج من النفق المظلم الذى نحياه وفى إطار البحث عن مخرج علمى بات علينا تحليل منظومة الوطن وإعادة هيكلتها فى أضعف نقاطها وأقلها مقاومة وأكثرها تأثيراً مع مراعة عدم هدم المجتمع فالقضية ليست تصميم مجتمع جديد تخيلى بل تعديل نمط العلاقات وتطويرها وتحسينها كى تصب فى نهر تنمية الوطن. وكمثال على هذا النهج فللنهوض بالأزهر الشريف مثلاً كأحد مؤسسات الدولة أمن الأصلح للوطن توحيد جزئيات المؤسسة الدينية الرسمية التى تتقاطع أعمالها أحياناً لتشمل وزارة الأوقاف ودار الإفتاء تحت مظلة الأزهر؟ ولا يقف الأمر عند هذا الحد أيشمل الإصلاح وضع المؤسسة الموحدة وقيم العمل الحاكمة بداخلها والنابعة من قيمها الذاتية وقيم المجتمع الكلية؟

لقد بات توصيف جزئيات منظومة الوطن مهماً تماماً كتوصيف معايير اختيار القائمين على إدارة جزئياتها فقضية المعايير بقواعد عادلة شفافة معلنة باتت من الأهمية بمكان على مستوى الأفراد والمؤسسات. الأمر الأكثر أهمية فى قضية الأداء العام بل والخاص والتخصصى هو مراقبة الأداء الذى بدونه لا يمكن للمجتمع أن يصحح مساره الذى يتفلت أحياناً بحكم إنسانية علاقاته وانحرافات المنظومة الطبيعى ليظل السؤال: كيف يمكن تظافر جهود منظومة رقابة شعبية مع منظومة الحكم لتحقيق ذلك؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s