هندسة المجتمع بالاقتراض: الأمل المستحيل

أ.د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

ما كان يليق برئيس وزراء مصر فى المؤتمر الصحفى مع كريستين لاجارد رئيسة صندوق النقد الدولى أن يترجم كلامه للإنجليزية إلا إذا كان لا يثق فى طاقم العمل معه وكان الأجدر أن يصحح الخطأ إذا وجد بدلاً من أن يقوم بعمل المترجمين وكأنه لم ينس موقعه كمدير لمكتب وزير الرى الأسبق. ومن المفيد فى ذات المؤتمر ألا نمر سريعاً على كلمات لاجارد من أنها ستناقش خطة الحكومة قبل إقرار القرض فى نيويورك وهو أمر طبيعى حتى تضمن خطوات الحكومة الإصلاحية من وجهة نظر الصندوق طبعاً. ودعونا بعيداً عن الشكليات والتى تعطينا انطباعاً مؤكداً عن نوعية التعامل فى أعلى مستويات الحكم فى مصر لنتساءل عن كيفية سداد العجز المتبقى فى الموازنة بعد الاقتراض وهو أكثر من ثلاثة أضعاف قيمة القرض ونضيف ذلك إلى عدم وجود خطة معلنة لمحاربة الفساد ولوضع خريطة زمنية لمعالجة المشكلات الملحة ناهيك عن خطة تنمية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل! وأخشى ما أخشاه ونحن فى مسيرتنا الموازية لمسيرات العهد البائد وفى سياق التصريحات الإعلامية أن نستنسخ حواراً مع أحد نواب رؤساء الوزارات الأسبقين عن موضع الديون فى بنود ميزانية الدولة والذى كان له مؤيدوه ومعارضوه بالحجة؛ فالبعض يرى وضع الدين فى خانة الدخل لتتحسن صورة الميزانية بينما يرى آخرون أن هذا تدليس غير علمى!

القضية الأساسية الآن أننا نستنسخ أفكاراً لا تمت لواقعنا بصلة وبصورة لا ابتكار فيها بل وتتعارض مع توجهات الحزب الحاكم رغم كم أساتذة الجامعة الذين يديرون دفة الحكم وعلى رأسهم رئيس الدولة، فأين الحلول المبتكرة وأين الضرب بيد من حديد على الفاسدين والمفسدين وأين إصلاح القانون وإصلاح القضاء وكل مرافق الدولة بصورة مبتكرة؟ وهل طبقنا أسلوب هندسة المجتع بوضع مؤسسات الدولة وعلاقاتها البينية على الطاولة لندرس أوجه الخلل فيها؟ وهل درسنا أوجه قصور علاقاتها البينية؟ وهل فكرنا فى أن أية عملية حسابية يؤثر فيها ناتج الجمع كناتج الطرح؟ وهل أحصينا كم الهدر فى امكاناتنا البشرية قبل المادية فى مختلف أركان الدولة فى مسلسل مازال مستمراً؟ أذكر أننى وجدت حين كنت رئيساً لمجلس قسمى بكلية الهندسة جامعة الأزهر كمية كبيرة من الأجهزة معدة للتكهين وبصرف النظر عن حداثتها أو قدمها وعن إمكانية استخدامها من عدمه (فهذا أمر آخر) إلا أننى رأيت أن هذا يدخل فى باب إهدار المال العام رغم معارضة إدارة الكلية التى وضعت أمامى العراقيل لكننى وبفضل المخلصين فى إدارة مبيعات الحكومة استصدرت فتوى تجيز عدم تكهينها واستخدام الطلبة لمكوناتها ورغم أن ذلك هو عين ما طالبت به إدارة الكلية إلا أنها لم تمتثل للأمر وانتهى الموضوع بتكهين الأجهزة دون أن أعرف السبب وللآن! أليس هذا إهداراً للمال العام بدون محاسبة؟ ولنتذكر أن قضية التكهين على مستوى الدولة وللأسف الشديد قضية فساد كبرى يجب مواجهتها بل مداهمتها!

قضية الفاقد فى العنصر البشرى قضية لا تحتاج إلى برهان فكفاءة العامل والموظف المصرى لا تخفى على أحد، كما أن النظرة الحكومية لخريجى الجامعة واعتباره سلعة يتم تصديرها وبالتالى يجب أن يتم انتاجها طبقاً لمعايير الدول المستقدمة للعمالة أمر يندى له الجبين ولنراجع موقع مركز معلومات مجلس الوزراء لنرى أن من أهدافنا تصدير الخريجين! لم ينس مسئولى الحكومة النظرة القديمة لبعض معدمى الفلاحين فى تشغيل أبنائهم كخدم فى المنازل والارتكان إلى ما يجلبونه من أموال وعدم المشاركة بأنفسهم فى أية أعمال منتجة، وهو نمط يكاد ينتهى ليحل محله نمط حكومى يعتمد على تشغيل أبنائنا فى الخارج كمصدر للدخل! كل تلك الأنماط لم تنظر للتنمية المحلية واكتفت بالقيمة المادية للإنسان دونما النظر إلى قيمته الإنسانية على أساس أنه محور التنمية لنفسه ولوطنه. وبمرور الوقت ترسخ هذا الفكر فى الأذهان لدرجة أن لغة التعليم فى المدارس والجامعات أصبحت غير اللغة القومية ليتاح لأبناء الوطن العمل بالخارج وحتى نصبح معامل تفريخ لتنمية الدول الأخرى بأرخص الأسعار وعلى حساب المواطن المصرى دافع الضرائب ومتحمل نصيبه فى سداد ديون الدولة التى لم تحسن استغلال مواردها. والآن وقد تبدل الوضع نتساءل إلى أين نحن سائرون؟ ما هو النظام الاقتصادى الذى ننتوى السير فيه؟ أسئلة ما كان لها أن تثار بعد قرابة الشهرين من انتخاب رئيس مصرى متزوج من مصرية والتى يريد البعض فى الجمعية التأسيسية ألا تكون هذه صفه الرؤساء القادمين بإلغاء شرط التزوج من مصرية (وهو شرط لتقلد بعض الأعمال) وإلغاء شرط أن يكون الرئيس مصرى الجدود (وهو شرط أيضاً فى بعض الأعمال) وإطالة مدة الرئاسة وكأنما نحن نفصل الأمر على رئيس بعينه! واستكمالاً لمسلسل الجمعية التأسيسية يسعى البعض لفرض هيمنة مؤسسة واحدة من المؤسسات الإسلامية الرسمية على القرار الدينى متغافلين عن وحدة المؤسسات الدينية الرسمية الثلاثة (الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء) تحت مظلة الأزهر ومتغافلين كذلك على أن سلطة المؤسسات الدينية فى الإسلام تختلف عنها فى الأديان الأخرى وأن ما حاوله أحد مشايخ الأزهر سابقاً من دمج المذاهب فى مذهب واحد قد باء بالفشل ومتناسين أن الإسلام ليس به رجل دين بالمعنى المعروف لدى الأديان الأخرى بل به مجتهدون بشروط الاجتهاد وكأنهم يريدون التأسيس لدولة دينية بالمعنى الغربى بدعوى العلمانية رغم أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية بالمفهوم الذى يتحدثون عنه بل يعرف الدولة المدنية بمرجعية إسلامية.

أتمنى أن ينطبق علينا قول الشاعر العربى اللبنانى فى القرن التاسع عشر الميلادى عمر الأنسى: أَرى محنَ الزَمان مقدّمات:: عَلى منح يَجود بِها الإِلَهُ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s