ملهاة ومراهقة سياسية

أ.د. محمد يونس الحملاوى

افتعال المعارك إذا لم نكن بمقدورنا أن ننتصر فيها مراهقة سياسية. قد يبدو هذا خلاصة مبتورة لما حدث فى قضية التمويل الأجنبى التى ينبرى الجميع فيها مدعياً البطولة الزائفة. ولا أدرى أهو من حسن الطالع أم من سوءه أن ما يتكشف من تهرب الجميع من المسئولية بدفع بآخرين بغرض تمييع القضية التى ستُقيَد فى النهاية ضد مجهول كغيرها من القضايا التى يحكم فيها بالبراءة لعدم كفاية الأدلة أو لبطلان الإجراءات أو للتقادم ونسيان الأمر؟ ألا يستوجب ذلك النظر فى التشريع حماية لحق المواطن العادى الذى لا يريد أن يبتزه أحد حتى لو القانون ذاته؟ وفى جميع الحالات يبقى الشعب هو المُدان لأنه لم يقتنص حقه الطبيعى فى اختيار الحاكم الراشد!
لم تكن وزارة الخارجية المصرية وإقرارها كتابة أن المنظمات التابع لها مقدمى طلب رفع السفر التزمت بالكامل بأحكام القانون المصرى، هى الوحيدة التى أدلت بدلوها فى الموضوع فالكل من حيث يدرى أو لا يدرى يزج بغيره فى القضية، وهو ما يشير إلى أن هدف إثارة القضية (وهى سياسية بالدرجة الأولى سواء أكانت موجهة للداخل أم للخارج!) لم يكن واضحاً منذ البداية عند متخذى القرار ولم ينل الدراسة الكافية ولم تجهز له آليات الدفاع عنه والفوز به ومنه! القضية ملهاة سياسية أريد منها تحقيق نصر داخلى استخفافاً بعقلية المواطنين متناسين وجود أطراف أقوى لا يمكن زجها فى الملعب بسذاجة ومتغافلين عن وعى المواطن المصرى الذى عاد! وسط هذا يصدمنا بيان الحقيقة الغائبة الذى صدر ممن أصدر قرار السماح بالسفر أن ما حدث مطابق للقانون ولأحكام مستقرة (كلها فى العهد البائد) وهو أمر يجعلنا نتساءل عن جدوى بيان نقابة المحامين بالقاهرة بحسبانها شريكة للسلطة القضائية فى تحقيق العدالة بنص القانون والتى وصفت القرار بالاغتيال الآثم للعدالة والشرعية وأشارت إلى غموض القرار وصدوره من جهة غير مختصة بما ينبئ عن وجود تدخل سافر فى أعمال السلطة القضائية مما يشير إلى أن الاستقلال الوطنى أصبح مهدداً!
أين الحقيقة إذن بعدما تنصلت الحكومة من مسئوليتها وبعدما دافع من دافع عن موقفه؟ ألا تجسد القضية غياب الرؤية السياسية للأمور وكأننا أمام قانون الإجراءات الذى يمكن أن يحصل بمقتضاه بعض تجار المخدرات على البراءة رغم ضبطهم متلبسين (وبالقانون)؟! وليتنا ندقق فى نتائج ما حدث وتصريحات وفد مجلس الشيوخ الأمريكى قبل وبعد رفع حظر السفر ففيها كغيرها دروس فى السياسة الحزبية وغيرها لا تخفى على حكيم!
وسط هذا الجو المشحون بالإحباط ينبرى البعض ليقلص سلطة مجلس الشعب فى الرقابة على عمل الحكومة وسحب الثقة منها بل وتشكيلها من أحزاب الأغلبية، متناسين أن ما حدث يوجب على الحكومة أن تحاسب المسئول عن هذه الملهاة وإن لم تستطع أن ترحل!
وعلَّنا ندرك فى خضم هذا الموقف أن الساحة السياسية تخلو من رؤية قومية لا يمكننا تجاوز أزمتنا إلا بها. رؤية ثاقبة لم يضعها المجلس العسكرى بحكم كونه مسيراً للأمور، ولم يضعها المجلس الاستشارى بحكم كونه ليس باستشارى قومى وإن مارس عمله الاستشارى فيما يطلب منه من مهام، ولم تضعها الحكومة لأنها أتت بذوى رؤيا قديمة شاركوا حتى اللحظة الأخيرة فى إفساد منظومة الحكم الممنهجة. القضية أكبر من أن ينفرد بها أى من تلك الجهات أو أى حزب بعينه ولكنها أصغر من أن يصوغها من آمن بمقدرات أمته وامتلك الرؤية الثاقبة لدفع أمتنا إلى موقع تستحقه.
ولنتذكر أن التاريخ يصنعه أفراد! حين نسترجع الذاكرة سنجد أن التاريخ بنجاحاته وسقطاته نتيجة عمل أفراد بعينهم استلهموا صالح أممهم فقادوها برجالها ونسائها إلى الصدارة وآخرين تغافلوا عن أممهم وفسقوا فيها فدمروها وجروها إلى مستنقع العار ولكن الأيام دول فقد يأتى من بعدهم من يقوم بفض غبار الذل عن أمته فيرفعها إلى مصاف الأمم. والسؤال الذى يطرح نفسه الآن: أين نحن من هذا المسلسل؟ وما المحرك الذى غازل ألبابنا وعقولنا فى قضية المنظمات الأهلية ولماذا لا نبنى على هذا الشعور؟ ولكن هل نحن مستعدون لاقتناص اللحظة ونحن من ضيَّع اقتناص الفوران القومى فى فبراير العام الماضى لنعجل ببناء أمتنا؟ وهل لدينا ما نقدمه من أسباب القوة بحزم وعدل للوطن؟ وباختصار هل لدينا هدف واضح وإرادة وقدرة حقيقية لتحقيقه؟! أتمنى ألا أكون واهماً إن ظننت أن العديدين لا يملكون رؤية واضحة للأمور وأن الغالبية لا تملك نظرية لشكل الدولة وآليات بنائها أكثر من الشعارات. ورغم ذلك ليس أمامنا إلا الأمل فى ظهور زعيم!
لعلى أتذكر قول المتنبى منذ أكثر من إحدى عشر قرناً:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتى العَزائِمُ:: وَتَأتى عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ فى عَينِ الصَغيرِ صِغارُها:: وَتَصغُرُ فى عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s