معضلة المرتب والدخل والقانون

د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

حسناً صدر قانون  الحد الأدنى والأقصى ليؤسس لمنظومة الدخل، وليس المرتب، ولكنه دون ذلك من حيث لا يدرى (أو يدرى) واضعوه أسس لتجزئة شرائح الشعب بصورة قانونية لا دخل فيها للكفاءة، حيث ترك الحد الأدنى وبالتالى الحد الأقصى متغيراً بين الجهات الحكومية والجهات العامة المملوكة للدولة وهو أمر جد خطير لأنه بذلك يقنن التفاوت بين دخل من تتساوى قدراتهم وكفاءتهم، لكنهم يعملون فى أماكن عامة مختلفة وهذا عكس المفترض، فالقانون أداة للمساواة بين من يمثلون مراكز واحدة أمام المجتمع! هذا الأمر الذى أتى على عجالة واكبه مباركة من الحكومة بتقنين الدخول الإضافية التى ترافق مرتبات الوزراء مع الدعوة بتخفيضها، حيث أشار رئيس مجلس الوزراء إلى تخفيض تلك المصاريف إلى النصف! والأمر بهذا النهج يودى بالقضية إلى تعقيد للأمر رغم سهولة حل وبساطة معضلة المرتبات والدخول! فقط نريد قدوة، فهل يمكن للوزراء الذين أتوا من الجامعة وزملائهم أن يقبلوا بمرتب يماثل من فى مؤهلاتهم وسنهم من أساتذة الجامعة أم أن منظومة البدلات والمكافآت التى خفضها رئيس مجلس الوزراء إلى النصف ستظل سائدة، لنرسخ أسباب الفساد؟! إن قبلوا فنحن أمام مجلس يسير فى الطريق السليم وإلا..
لقد سرت حمى النهب المقنن فى جسد العمل العام والحكومى لدرجة  أننا سمعنا مؤخراً عن رفض عمداء كليات إحدى جامعاتنا راتباً يعادل أكثر من خمسة أضعاف راتب زملائهم فى كلياتهم! وهذا الأمر على حقيقته يشير إلى تجذر الفجوة التى انتابت فكر المسئولين عن الواقع الوطنى! ورغم ذلك لابد من بذل الجهد لردم الفجوة التى حفرها الفساد.. ولنتذكر أن ما لا يلتفت إليه إلا القلة القليلة هى الظلم فى المجتمع.. الدخل أحد هذه الجوانب والجوانب الأخرى عديدة فمنها الخدمات التى يخال لك فى كل مجال أنها منظومة ظلم حتى يخيل لك أن المطلوب أن يوجد شعب ليتحكم فيه غوغاء الفكر! أحياناً يُخيل لى أن ما يسير على قاعدة هو الاستثناء إن وُجِدَت قاعدة من الأساس ويبقى التطبيق حالات فردية عشناها فى الماضى ومازلنا نتلمسها حالياً! لقد نُكبنا بالفساد وننتظر الحل الذى لم نشعر به بعد عام كامل عدا حرية الكلام وحرية الفوضى.. أما مؤسسات الدولة فكما هى: قيادات بلا رؤية واستمرار لمنظومة النهب المُقنن وتوسلات بالوقوف فى وجه ذلك بلا قرارات حاسمة وقوانين تصدر بلا علاج جذرى للأمور وأمل فى التحسن يتبدد يوماً بعد يوم ليصبح والسراب سيان! ولنتفكر فى كيفية إفساد المنظومة لا إصلاحها كى نتعرف على حجم الفساد الذى رسخه استبداد النظام السابق. كل ما يشار إليه من تدن فى السلوك والخدمات وأشياء أخرى عديدة حقيقى ولكن فلننظر إليه على أنه حافز لعمل أكثر وأعظم.. ورغماً عنا فإن المتاجرة بالشعارات هى الغالبة ومعالجة الأمور جذرياً هى الغائبة.
وحيث لم يأخذ الوزراء المبادرة فلنتساءل: هل يمكن أن يأخذ مجلس الشعب المبادرة ليصبح إجمالى دخل أى عضو من أعضائه مماثلا لدخل (أقصد إجمالى الدخل بجميع البدلات والمزايا!) من فى مثل سنه من أساتذة الجامعة المفترض أنهم من صفوة المجتمع؟! ولنتذكر أن عضو الشعب فى بريطانيا يحصل على راتب سنوى أقل من ثلاثة أضعاف متوسط الناتج القومى الإجمالى للفرد فى بريطانيا؛ فهل نحن ضاربون الصفح عن هذا وعن مستوى معيشة الشعب؟ وأكرر: إن قبل نواب الشعب ذلك فنحن أمام مجلس يسير فى الطريق السليم وإلا..
إن منظومة مجلس الشعب على المحك، فإما النجاح ووقتها سيسعد الجميع بذلك وإما السقوط الذى لا قيامة بعده للتيار المتحكم فى غالبية المجلس. والأيام خير شاهد على ذلك وأملى من جميع أعضاء مجلس الشعب المنتخب بمختلف تياراتهم أن يكونوا قدوة فللقدوة فعل السحر فى تنمية وتقدم بلدنا.
فى جميع ما سطرت تمنيت أن أعرف (فقط أعرف) على أى أساس يتم تعيين عمداء الكليات ووكلائها ورؤساء الجامعات ونوابهم والوزراء وغيرهم ممن يُدعون كبار رجال الدولة! أريد فقط أن أعرف معيار اختيارهم علِّى أقتنع بأنهم يستحقون ما ينهبونه من مال عام، فما يزيد عن حاجاتهم الأساسية فى دولة تتوسل القروض ليعيش شعبها نهباً لثروات الجيل الحالى والأجيال القادمة! وهنا يقفز لذهنى تساؤل بسيط: لماذا لم يُحاكم من قاموا بإفساد الحياة السياسية ومنها تقنين الحصول على المال العام إلى محاكمة عادلة (إن وُجدت لدينا رغبة حقيقية فى الإصلاح)؟ ولنتذكر أن على مجلس الشعب إقرار أو تعديل أو إلغاء ما صدر من قوانين فى غيابة، ولننتظر أول اختبار للمجلس! أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات وإجابات علَّ الأمر يتضح لى ولكم! يقول أبو الطيب المتنبى منذ أكثر من ألف عام:
لا افتخار إلا لمن لا يضام:: مدرك أو محارب لا ينام.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s