مجلس الشعب والقانون والحل

أ.د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

المتابع للمشهد السياسى لا يسعه إلا أن يصدق قول المستشار الألمانى بسمارك الذى أنشأ الامبراطورية الألمانية عام 1871م تحت راية اللغة الألمانية، حيث يقول: أكثر مواضع الكذب هى بعد عملية قنص وخلال الحرب وقبل الانتخابات.. ويبدو أن الكذب سمة فى السياسة المعتادة حيث يتحول المجرم إلى شريف ويتلطخ وجه الشريف بنفايات المجرم ويتبقى للجميع بصيص أمل فى حياة كريمة من خلال انتخابات نظيفة ولجنة نزيهة تضع الدستور! ورغم محاولة البعض تضبيب الصورة إلا أن الأمر لا يعدو إلا أن يكون لعبة سياسية.. الديمقراطية التى يتنادى بها البعض لا تتدخل فى مكنون النفس وتتعلق فقط بحرية الإرادة الظاهرة وعلينا جميعاً قبول نتيجتها.
أما ديمقراطية رأيى الأوحد فلا توجد إلا فى قاموس الغلبة التى كانت غلبة القوة وتنافسها حالياً غلبة المال من خلال الإعلام وغلبة آليات عمل العهد السابق التى تُدافع عن مصالحها!
ما يحدث تحت قبة مجلس الشعب (وهو مع شقه النيابى الآخر الوضع القانونى الوحيد السليم فى آليات إدارة الدولة حالياً) من تلويح بالفعل مع عدم القدرة عليه ومن مخاطبة طرف ثالث لن يجدى فى مرحلة بناء الأوطان، فعلى عضو الشعب أن يعِى أن عليه مسئولية أمام الوطن قبل أن تكون أمام ناخبيه.
السياسة إما أن تكون شفافة ونزيهة وإما أن تكون ميكيافيلية، لكن الشعب يبغى الشفافية والنزاهة!
يتحدث الجميع عن تطبيق القانون والحزم فى ذلك ولكننا لا نفكر فى كيفية التنفيذ.. أسوق مثالاً عاماً فى قطاع الإسكان ولكنه ينطبق على كافة القطاعات. ماذا يحدث إن وجدت من يخالف قوانين البناء وقام بالبناء بدون ترخيص؟ أتترك الأمر لوطنية الفاعل ومسئول الحى وضابط الشرطة وهم حلقات لتنفيذ القانون، أم تستمع لتلك الحلقات وهى تحاول أن تدرأ عن نفسها غبار عدم تحمل المسئولية؟! حين تقترب من إحدى تلك الحلقات ستجد الإجابة جاهزة: لقد قمت بمسئوليتى والأوراق خير شاهد والخطأ على الحلقة الأخرى. لقد مررت شخصياً بتلك الدائرة وكانت الإجابة واحدة إن جردنا الأمر من الأسماء والفاعل والمفعول به، بل وبالمستندات وبالوقائع أحياناً!! وحين تفكر فى الأمر تجد أن حالات الإزالة للمبانى المخالفة تقف عند إمكانية التصالح بالقانون على ما حدث للمبنى ذاته ضاربة عرض الحائط بالتخطيط البيئى وبحق الجار وبسعة الطريق وطاقة خطوط الكهرباء والمياه والصرف وغيرها من العوامل.. العجيب فى الأمر أن من يقوم بالتنفيذ يحاول أن يجد مخرجاً للمخالف للقانون (أحياناً) وكأن هيبة الدولة واحترام القانون محل جدال.. الأمر الآخر اللافت للنظر أن كم المخالفات المتراكمة فى كل ناحية تعد بالمئات وإمكانية تنفيذ قرارات إزالة المخالفات لا تتعدى بضع حالات أسبوعياً، مما يعنى أن التراكمات تزداد وأن الحالات تتعقد لأن المخالفات تصبح مركبة فتلك البنايات يتم تسكينها بسرعة البرق مما يعنى ضرورة استصدار قرار آخر بالإخلاء ثم بالإزالة.. القضية حين تقترب منها تبحث عن حل. ومع غياب الفكر المبدع ومع حل المجالس المحلية التى أفسدت الحياة فى ربوع مصر كما جاء فى حكم المحكمة حيث ثبت لها أن هذه المجالس أخلت إخلالاً جسيماً بمصلحة هذا الوطن، وتقاعست عن الاختصاصات التى حددها لها المشرع فى القانون على مستوى كل وحدات الإدارة المحلية.. ولنتساءل لماذا لم يتم إعادة تشكيل تلك المجالس بصورة سليمة بمعايير موضوعية تضمن نزاهة انتخاب أعضائها للآن؟ أليس من الأجدر بأعضاء مجلسى الشعب والشورى أن يدرسوا ذلك الموضوع أم أن استمرار مسلسل هدر القانون يحلوا للبعض؟ ولمن يبحث عن حل فهاكم أحد الحلول المستوردة من أمريكا حتى لا يتهمنا أحد بالتخلف فنحن على خطى القيادة! رغم أنه من طبيعة الأمريكان ألا يتدخلوا فى ما لا يعنيهم شخصياً إلا الخطأ العام يدلون بدلوهم فيه ببذل الجهد وبإبلاغ السلطات، ورغم ذلك وبهدف تسريع الأمور ووضعها فى صورة قانونية صدر قانون باتريوت فى أمريكا لتحميل الجيران مسئولية الإبلاغ عن أى أمر قد يشتبهون فيه، مجرد الاشتباه. الحل أمريكى وبالقانون. صحيح أن القانون الأمريكى جاء ليعالج المتغير إلا أن قراءة متأنية له تعالج الثابت عندنا! أوعينا الأمر أم أنها الغفلة والتخاذل؟ بقيت نقطة أن الضمير مهم ولكن المواطن الأمريكى لم يصل لهذه الدرجة من الوعى إلا من خلال قانون صارم يطبق على الجميع. فهل لنا من عودة لهيبة القانون؟
ختاماً تهنئة خاصة للعدل وللقضاء ولمصر بمن فاز منذ أيام بمنصب رئيس نادى القضاة لفترة ثانية وعلى ما صرح به من أنه سيظل تعيين أبناء القضاة سنة بسنة ولن تكون قوة فى مصر تستطيع أن توقف هذا الزحف المقدس إلى قضائها! وأضيف أليس من العدل أن تتمتع جميع الفئات بنفس الحق حتى يتم تجزئة الوطن كلياً وحتى لا يتبقى للمجتهد نصيب فيه؟!
يقول شاعرنا أحمد الكنانى:
الحَقَّ قلتُ وَلا أَخشى ملامتكُم:: فالحقُّ إن ضاع عمداً بيننا ضِعنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s