لمحة من مشهد العباسية

أ.د. محمد يونس الحملاوى

هلا نظرنا إلى وضعنا الذى استمر لعقود وحتى يومنا: تعليم جامعى وعام ومهنى متدنى، صحة لا ترقى لأى مستوى، صناعة بيعت فى سوق النخاسة وتراجع سبقنا فى صناعاتنا التقليدية لنستبدل العدم بها ولنضيع فرص موجات تقدم تقنى كان يمكننا أن نقفز عليها، زراعة لا تسد رمق الشعب وتجعل قوته فى يد غيره وتصيبه بأمراض مزمنة نتيجة سياسات فاشلة وكيماويات مسرطنة، تجارة تقوم على النهب والغش بالتعامل على سلع رديئة الجودة تضر ولا تنفع ويخاطب جيدها قلة مستأسدة، وعدل يجذر الفساد بالقانون من خلال شخصنة القوانين وقطاعات التنمية بمختلف جوانبها، وآليات لا تدرى عن الحق والعدل والحرية أى شىء مما يوحى بتراجع مسيرة تنمية الوطن. وأتساءل هل تستحق مصر وضعها الحالى؟ أحقاً تقاعسنا عن بذل الجهد؟ أحقاً بتنا مرضى الجمود بمختلف تجلياته من ظلم وبلطجة فكرية وبدنية؟ أحقاً وصلنا لحالة تبلد سياسى نتيجة طول انتظار الحل دون أن نبذل أى فعل موجب حتى بتنا نرد الهجمات لا نتخطاها قيد أنملة؟

لقد بتنا أسرى نزعة الإقصاء فبتنا لا نسمع إلا صدى صوتنا حتى وإن كان الصوت الآخر أصدق وأقرب للحق. لقد باتت أغلب أفعالنا السياسية تقصى رفيق الوطن فقط لأنه آخر! والعجيب فى الأمر أن الجميع يقصى الجميع دون سبب. أفهم أننى أرفض فريق لأفعاله أو لمبادئه التى لا تتفق مع ثوابت الوطن أما ألا أستمع للآخر وأهاجمه بداية فهو سلوك غير مبرر إلا نتيجة أوهام مسبقة لا تقوى على الوقوف فى وجه الحقيقة والغريب فى الأمر أن آليات الثقافة الرسمية لم تحرك ساكناً على أفضل تفسير! ولنتابع حوارات الإنترنت لنرى اجترار من يدعون بالنخب وتقاعس وإقصاء آخرين عن المشهد برمته.

فى الوقت الذى نلوم فيه السلطة السياسية والتنفيذية لتخاذلها وتأخرها فى التعامل مع معتصمى العباسية سياسياً وأمنياً حتى تفاقم، إذا بنا نجد رأس الدولة يتفقد مصابى أحداث العباسية بمستشفى كوبرى القبة العسكرى فى لفتة إنسانية ترسل رسالة صريحة أن المصابين هم مواطنون قبل أى شىء حيث نجد فى الصور التى صاحبت التغطية الإعلامية للحدث والتى نشرتها الصحافة المقروءة والمرئية بعض الملتحين وهم ليسوا من أفراد القوات المسلحة. ورغم أن تلك الصور لم يصاحبها إعلام كافٍ لتوضيح الرسالة كما فهمتها إلا أن البعض على شبكات التواصل الاجتماعى يتشكك فى مصداقيتها باعتبار هؤلاء الأشخاص من أفراد الجيش مما يعنى ضلوعهم فى أحداث العنف.

وسط هذا الركام لم يبق للغالبية أى وقت للخروج من النفق المظلم الذى نحيا فيه والذى يزداد عتامة ولا نكاد نبصر فيه أى بصيص ضوء إلا بالانقلاب على الوضع برمته استشعاراً لواجبنا الجمعى. ورغم أن الموقف الحالى كفيل بإصابة البعض بالإحباط والقلق إلا أننا يجب ألا نستسلم لهذا التبلد فى الفكر ولنتبع سلوك اليابانى حيث يقول: إذا استطاع شخص القيام بالعمل فأنا أيضاً أستطيع وإن لم يستطع أى فرد القيام بالعمل لزم علىّ أن أقوم به. لقد تعاملنا مع الشق الأول وحذونا حذو تونس الخضراء وبقى أن نهب لننفذ الشق الثانى من المقولة التى لا يقدر عليها إلا إيانا لننقل أمتنا لمكانة تستحقها غابت عنها عقوداً، فهل من مشمر؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s