بورسعيد والقانون وجيفارا

د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

حينما تتم محاولات الوصول إلى أى موقع إلكترونى بكثافة فى وقت واحد نجده يسقط، وهو عين ما يُراد حدوثه فى مصر الآن، حيث يتم إشغالنا فى عدة محاور لتفتيت الجهد ومحاولة اختراق منظومة الوطن.. ما ينفك الفرد عن قضية إلا ويجد قضايا أخرى أهم تستنفد الوقت والجهد.. والمؤسف أن وتيرة التدافع تتسارع وتتنوع بصورة غير مسبوقة. كنت أتحدث مع صديق عن إدارة المجتمعات وكيف يمكن تعزيز منظومة العمل فى مناخ من العدل والحرية، ولم يستمر الجدال كثيراً لأركن إلى منظومة العدل التى يمكنها ألا تنتج إلا الحرية والمساواة والرفاة الاجتماعية بعكس الحرية، التى يمكن أن تنتج الفوضى وغيرها من الأمور الموجبة والسالبة. ألا يتم إشغال الجميع بقوانين لا ترسخ إلا التجزئة كقانون التمييز، الذى يجرم التمييز ضد أى فرد نتيجة اللغة فى دولة لها لغة قومية واحدة هى العربية؟ ولنتجول فى قوانين التمييز فى مختلف الدول كى نعرف أن محدد اللغة، تم وضعه بقصد إرضاء أحد أكابر القوم على أحسن الفروض وليس تشايعاً لخطط تقسيم مصر، التى وجدتها أجهزة الدولة ونشرها الإعلام! وإذا تناسينا ذلك القانون لابد من أن نتعثر فى قانون الحدين الأدنى والأقصى الذى يرسخ تجزئة المجتمع! كما لا يمكننا أن نتغافل عن تعديل قانون الأزهر، الذى يضع قواعد لا تتماشى مع صريح المساواة، التى لا تنعقد إلا من خلال العمل والعلم وليس السن أو غيره مهما كانت قرابته أو علاقته! والأمثلة لذلك عديدة فى مُشرق تاريخنا! وفى مسيرة تلك القوانين نجد تسهيل الانعتاق من المسئولية الجنائية الذى صدر بالقانون رقم 4 لسنة 2012م بتعديل قانون الاستثمار، والذى يتيح التصالح فى جرائم يعاقب عليها القانون، ولنتذكر أن جميع شركات الأكابر المؤهلة للتصالح تخضع لقانون الاستثمار، وبالتالى نجد الأكف ترتفع لتتساءل عن سبب إصداره وهل سيطبق القانون على الكبار فسيسمح لهم بالتصالح بسعر الأمس السحيق!! فى غمرة تلك الهجمة إذا بنا نُصعق من الهجوم السافر على أخوة فى الوطن فى بورسعيد وكيف تتجسد القضية فى حصار أهلها حتى الذين لا يشجعون كرة القدم! وأتساءل هل مباراة كرة القدم رياضة أم إلهاء؟ هلا تذكرنا مباريات الكرة التى نستعيض بها عن ممارسة الرياضة التى تُصلح الجسم والعقل! ويُلح على ذهنى وسط ذلك تساؤل: هل يمكننا الدعوة لتجمعات جماهيرية فى ظل حالة الانفلات الأمنى الذى نحياه؟ هل يمكن ممن تخيل نفسه ثائراً، وهو بالوصف متعصباً (وهى ترجمة كلمة التراس الإنجليزية التى يحلو للبعض استخدامها بديلاً عن عربيتنا وعروبتنا) بالاعتداء على الشرطة والآن بالاعتداء على مواطن مثله، أن يقوم بأى عمل مجتمعى سواء أكان فكراً أم عملاً مادياً؟ ألا نتعجب للسماح بممارسة السياسة من متعصبى الكرة كجماعة وليس كأفراد والذى تشجعه مؤسسات المجتمع الحاكمة؟ أتذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر قال فى بدايات ثورة يوليو إن الحكومات تستعمل كرة القدم لإلهاء الشعوب.. صحيح أنه قد استخدمها لنفس السبب فيما بعد ولكن ذلك لا ينفى المقولة! ثم دعونى أتساءل هل بورسعيد قطعة عزيزة من الوطن أم أن موقعها الجغرافى يؤهلها أن تكون نوبة أخرى يُراد لها الاستقلال؟ ألا يجب أن نوقف هذه الحرابة التى تقوض أركان المجتمع، التى يغذيها كل من له مصلحة فى استمرار النظام السابق بالفعل أو بالقول أو بالصمت فعلاً لا قولاً؟ يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعى منذ أكثر من اثنى عشر قرناً:

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا:: وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا

وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنب:: وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا

وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئب:: وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَيانا

فى وسط هذا الزخم لا أنفك عن تحليل ما يرسم على السيارات فى شوارع القاهرة فهو يعطى جزءاً من صدى الشارع لما يحدث خاصة مع تكرار بعض المقولات والرموز.. من تلك الرموز صورة جيفارا الأرجنتينى، الذى احتل أعلى المناصب فى كوبا ثم هجر ذلك وحارب فى العديد من الدول دفاعاً عن مبدأ اعتنقه، ولم يقل أحد عنه أنه مرتزق! لقد جسد جيفارا نهجه فى كلمته: إننى أحس على وجهى بألم كل صفعة توجه إلى مظلوم فى هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذلك هو موطنى.. وتذكرت موقفه من قضايا أمتنا التى جسدها فى مقولته لجمال عبد الناصر أثناء زيارته للقاهرة: أنا جاهز لما تطلبنى فأنتم لكم كامل الحق فى دفع الظلم الإسرائيلى عن الأمة العربية.. وفى خضم الأحداث وعقب نجاح تونس وبدايات الحراك فى مصر استوقفتنى رسالة الامتنان التى أرسلها جيفارا للرئيس الأمريكى جون كينيدى: شكراً لما حدث فى (خليج الخنازير)، قبيل هذا الغزو كان الثوار غير واثقين من أنفسهم والآن هم أقوى من أى وقت مضى.. هذا الجيفارا لخص الإحساس بالوطن فى مقولته: لكل الناس وطن يعيشون فيه إلا نحن فلنا وطن يعيش فينا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s