المظاهرات والانتخابات والقضاء

د‏.‏ محمد يونس الحملاوى

اندلعت المظاهرات فور نطق القاضى بحكمه فى قضية الرئيس السابق وآخرين احتجاجاً على أحكام اعتبرها البعض مخففة ولا تليق بحجم الفساد والتضحيات التى قدمها الشعب وتناسى الجميع أن القضاء يحكم بما لديه من أدلة ودلائل وقرائن ولا يمكنه الخروج عن قانون الإجراءات الجنائية وقانون العقوبات‏ اللذين يقيدان عمل ‏محكمة الجنايات. الحكم متوقع لأن قاضى الجنايات لا يأخذ إلا باليقين من الدلائل المقدمة إليه لدرجة أن مجرد التشكيك فى الأدلة يكفى لأن تسير أية قضية فى مسار غير المتوقع. لقد أثار الحكم ردود أفعال متباينة بين القضاة فأرجع بعضهم الأمر إلى ضعف الأدلة وأشار بعضهم إلى عدم سريان التقادم فى حالات الفساد، والخلاصة أن الأمر لم يعد باتاً بطعن النائب العام عليه إضافة إلى تحرك جهاز الكسب غير المشروع لإحالة مبارك ونجليه للجنايات خلال أيام! ورغم ذلك فإن الجماهير التى تحركت لعدم رضاها عن المحاكمات كشفت عن أن المحكمة التى نظرت القضية ليست هى المختصة فالجرائم سياسية وبالتالى كان من اللازم أن تتم المحاكمة بموجب قانون للفساد أمام محكمة تختص بهذه النوعية من الجرائم لأن جرائم الجنايات تحتاج إلى أدلة لا يمكن توافرها فى حالات التجمهر بالصورة التى شهدتها مصر خلال الثمانية عشر يوماً الشهيرة.

ولنتساءل أيمكن إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء واستحضار المشهد الحركى الذى عشناه طيلة 18 يوماً سبقت سقوط رأس النظام والذى التفت الغالبية حول مفهومه بغية إسقاط النظام فى حراك متسارع أفقد السلطة تركيزها مما فرض عليها التنحى؟ هل يمكن إعادة إنتاج ذلك الحراك الشعبى العفوى مرة أخرى؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون غضبة بعنوان اليأس من تغيير المشهد أججه حكم المحكمة؟

فى محاولة لاستعادة ذلك المشهد يحاول البعض إرجاع حلول مضى وقتها مثل فرية المجلس الرئاسى الذى كان له وجاهته فى وقت ضبابى لم يكن قد تشكل معه مسار لانتقال السلطة وأصبح الحديث عنه الآن مناورة مفضوحة لإبطال تسليمها أو تعطيلها على أحسن الفروض، ورجوعنا للمربع صفر. ولننظر من يقف وراء اقتراح المجلس لنجد بعض من رسب فى الانتخابات ويريد اسقاط شرعيتها التى أتت بناءً على التعديلات الدستورية التى وافق أكثر من ثلاثة أرباع الشعب عليها. الصورة تبدو لى وكأن بعض من خسر الانتخابات من المرشحين لم يبق له سوى تفتيت إرادة الشعب ومحاولة الظهور فى الميدان مرة أخرى عسى أن ينال جزءًا من كعكة الوطن، متناسيين أن الوطن ليس كعكة تقسم بل هو كيان يعيش بداخلنا وليس كياناً نعيش فيه. أعتقد أننا كمصريين نجسد مقولة الثائر جيفارا فى قوله: لكل الناس وطن يعيشون فيه إلا نحن فلنا وطن يعيش فينا. المشهد يجعلنا نتساءل: هل جدد الحكم على مبارك وآخرين ببراءة الجميع (عدا اثنين) وفيهم مسئوليين تنفيذيين (بجوانبه التى يظن البعض أنها تعيد انتاج النظام السابق) الفرصة للبعض للظهور مرة أخرى؟ أليس الحل فى الحشد لمسيرة تسليم السلطة دون مقاطعة للانتخابات كما يريد البعض، فالانتخابات هى الشرعية وما عداها تسويف وعلينا أن نبذل جهدنا لحشد الطاقات لاختيار حر بين نظام خابرناه لعقود وآخر خابرنا جانب من جوانبه لشهور. أليست جولة الإعادة وموقف الكل (العامة والنخبة) منها على المحك؟!

هلا تذكرنا أن الوطنية ليست صفقات. احترامى لمن يفهم واجب الوقت دون مفاوضات أو حسابات سياسية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s