المجلس النيابى والتشريع

أ.د. محمد يونس الحملاوى

وسط الضباب الذى يحيط بالمشهد السياسى لدى الغالبية، لابد من أن نبصر الطريق ونقيِّم المسيرة علَّنا ندرك وقع أقدامنا، بل وعن أى شىء نتحدث ونتحاور.

أتذكر حوارًا دار مع صديق لى عن الوضع السياسى المحلى وكيفية الخروج من وضع اللا سلم واللا حرب الذى عاصرنا شبيهه منذ عقود كمصريين وكعرب! هذا الوضع الذى دفع البعض أن يقف فى وجه الرئيس السادات، مندداً بالموقف ومطالباً بخطوة للحركة لم يكن يدرى كم الجهد الذى بذله قواد مصريون إبان حرب الاستنزاف وطيلة فترة بناء الجيش بعد هزيمة 1967م، لم يغب عن الساحة وقتئذ مختلف قطاعات الشعب، بدءًا من مظاهرات طلبة الجامعة ضد أحكام قادة الطيران، والتى اعتبرها الشعب مخففة، فى تلك الاحتجاجات التى شملت طلبة كليات أخرى غيرنا فى هندسة عين شمس، ورغم غياب آليات التواصل الإلكترونى فى ذلك الوقت، إلا أنه شاركتنا شرارات متعددة أغلبها من كليات هندسة جامعات أخرى! فى ذلك الوقت، كان ميدان عبده باشا المطل على هندسة عين شمس أشبه ببركة دماء، كان الرد الفورى من الرئيس جمال عبد الناصر إعادة المحاكمة واستيعاب الموقف والتحرك بآلية متسارعة لتجاوز أزمة الوطن!

أعود إلى حوار الصديق وما استنتجناه من أن هدفنا الأول أن نحافظ على بناء الدولة، فلا يجب أن تؤدى خطواتنا إلى هدمها مهما كانت المبررات رغم فساد العديد من مؤسساتها والتى أدت إلى الوضع التنموى المتدنى الذى نحياه، فى هذه الظروف بات علينا أن نحافظ على البنيان ونتدرج فى إعادة تصميم هياكل محورية مؤثرة على باقى المنظومة وليس هدم وإعادة بناء الدولة، القضية برمتها تحتاج إلى علم وليس إلى تنطع، فقضية التنمية لا تنفصم عن قضايا الهوية والوطنية والتعليم والقضاء وغيرها من أركان بنية الوطن!

لقد بح الصوت لإصدار قانون العزل السياسى منذ تشكل مجلس الشعب، وللأسف تغافل المجلس عنه لأن النظر لمنظومة الوطن محل اختلاف، حيث ينظر البعض، وللأسف للقضايا الحياتية الملحة ويترك القضايا الهيكلية لتحتل مرتبة ثانية، فى خضم الصراع على السلطة! والمثال المجسد لهذا الأمر هو تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية والذى أتى ليبرئ مختلف المشاركين فى العمل التنفيذى من تهمة الفساد حيث اقتصر العزل السياسى على رئيس الجمهورية ونائبه وهيئة المكتب السياسى للحزب الوطنى المنحل وأمانته العامة، وهو أمر يبدو به رائحة التركيز على أشخاص بعينهم (وهو أمر ينافى للعدالة)، وليس على أعمال الفساد التى طالت الدولة ككل ممن تم تعيينهم فى مناصب عامة بدون سند علمى معلن، وهو أمر لا يجب أن نستمر فيه! والأمر الآخر المعيب فى هذا الطرح أنه حدد العشر سنوات الأخيرة من حكم النظام السابق دون تحديد، لماذا اقتصر الأمر على تلك المدة! وكان الأجدر من وجهة نظرى أن تكون المدة ثلاثين عاماً، مخصوماً منها مدتين رئاسيتين، حسب ما ارتآه الشعب فى دستور 1971م بصورته الأولى، ولهذا فإن المدة التى تجاوزت ذلك والتى يعتبر العديد أنها سبب رئيس للفساد السياسى فى مصر هى ثمانية عشر عاماً باعتبار مدة الرئاسة ست سنوات حسب دستور 1971م! أمَّا وقد وافق المجلس على تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية بهذه الصيغة، فأملى أن يتذكر الأعضاء قانون الغدر لسنة 1952م، وأملى أن نتذكر جميعاً قانون الحد الأدنى والأقصى الذى جاء بدون الحدين على مستوى الدولة!

يبقى شق آخر لما آل إليه عمل السلطة التشريعية التى أرسى الدستور استقلالها عن السلطة القضائية حيث تم الحكم بوقف قرار تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور وإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضى الدولة، وهو سابقة خطيرة فى تدخل السلطة القضائية فى أمور مستقرة دستورياً، حيث لم يخالف المجلس النيابى بشقيه نص التعديلات الدستورية المستفتى عليها أو الأعراف النيابية، كما أن المجالس النيابية فى حوالى نصف حالات كتابة مائتى دستور على مستوى العالم قد صاغت الدستور مباشرة أو من خلال لجنة عهد لها المجلس بذلك، وهذا جميعه ينفى عن تشكيل اللجنة أية شبهة!

ولكن يبقى المشهد السياسى متعطشاً إلى قائد وقدوة يجذب حوله مختلف أطياف الشعب من خلال هدف قومى يدفع أمتنا إلى الأمام.

لقد أدرك العديد أن الهجوم المكثف على أى هدف غالباً ما يشله ويبدد طاقاته، ولهذا كثف البعض هجومهم على المجلس النيابى، وشتتوا جهوده بعيداً عن أساسيات النهضة وهيكلة مؤسسات الوطن. والعجيب فى الأمر أن من شارك فى هذا الهجوم الذى يبدو ظاهره الرحمة ويبطن الباطل أعضاء من داخل وخارج المجلس، بل وممن تصدروا المشهد وقفزوا عليه طيلة الفترة السابقة! لقد فات المجلس وفات الجماهير أن يحصنوا أنفسهم من تلك الهجمات وانزلقوا إلى منحدر فى مهب الريح، حتى بتنا نسمع دعوات حله بالقانون وبغيره، بل وبتنا نسمع دعوات الانقلاب على أركان الدولة.

ورغم أن المشهد الحالى قد نزع أغلب أوراق التوت عن الغالبية إلا أن الحراك الشعبى بات مقيداً بغيبوبة المثقفين الذين ما يريدون أن يبرحوا معسكرهم القديم ولو كان استجابة لداعى الوطن!

هلا تذكرنا قول الشاعر والفيلسوف أبى العلاء المعرى منذ حوالى عشرة قرون:

فوا عَجَبا كم يدّعى الفضْل ناقصٌ:: ووا أسَفا كم يُظْهِرُ النّقصَ فاضل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s