اللغة العربية فى برامج الأحزاب المصرية

د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

ونحن فى الحادى والعشرين من فبراير اليوم العالمى للغة الأم، يجدر بنا أن نلاحظ أن المشهد اللغوى فى مجلس الشعب يدعو للتأمل، حيث فازت أحزاب بعينها بثقة الشعب فى أول انتخابات نزيهة منذ عقود.
لقد كان من المنطقى أن تحصل الأحزاب التى شمل برنامجها الحفاظ على اللغة العربية كمكون أساسى للهوية فى مصر على أغلبية مقاعد المجلس، وكما هو الحال مع اللغة طرحت الهوية فى برامج نفس الأحزاب.
هذا النهج يدعو أكثر ما يدعو إلى تفعيل ذلك حفاظاً على وحدة الأمة وهويتها فى نفس الوقت، وإنه لأمر منطقى فى ذات الوقت أن الأحزاب التى وقفت من اللغة والهوية موقف الرافض لم تحصل إلا على عدد محدود من المقاعد، وهو ما يؤكد الرفض الشعبى لبرامج تلك الأحزاب.
الشىء الغريب فى هذا أن أحد أحزاب تلك المجموعة التى تطلق على نفسها وصف تحررية (ليبرالية)، أتى برنامجه ليعطى لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات، دون أى تمييز بسبب اللغة، كما أتى حزب آخر من أحزاب الأقلية بموقف مشابه إلى حد ما حيث نص على أنه لا فرق بين المصريين نتيجة اللغة.
هذه البرامج جعلتنى أربط بين قانون التمييز رقم 126 لسنة 2011م الذى ينص على تجريم التمييز بين الأفراد أو ضد طائفة من طوائف الناس بسبب اللغة وبين برامج الأحزاب، باعتبار القانون أتى معبراً عن رأى الشارع المصرى! والأمر المهم فى هذا السياق أن الشارع المصرى رأى غير تلك الرؤية، وهو ما يستدعى اتخاذ الإجراءات الرشيدة، لتعديل هذا القانون الذى يرسخ لتقسيم الدولة، طبقاً للغات ينادى البعض بمزاحمتها للغة المصريين جميعاً. ولا يخفى على أحد ما تقوم به البعثات الأجنبية من محاولات دءوبة لشق الجبهة المصرية عن طريق ادعاءات عديدة ومنها اللغة.
أذكر أننى حضرت إحدى الندوات التى تتحدث عن الثقافة المصرية، وهالنى الحديث عن لهجة أهل سيوة وضرورة الحفاظ على تلك اللهجة من منطلق حقوق الإنسان رغم أن المتحدث المصرى الجنسية الغربى التوجه لم يدرك أن ما يدافع عنه لا يحترمه أبناء توجهه فلا أحد أعطى الإلزاس أو بريتانيا (مقاطعتان فى فرنسا)، الحق الذى يحاولون ادعاء سلبنا إياه من مواطنينا العرب، كما لم يدرك الفارق الكبير بين الوضع اللغوى هنا وهناك.
هذا الأمر الذى حدث فى قاهرة المعز لم يكن مستغرباً أمام دعوات هلت علينا من أقصى الغرب لإحياء لغة ودعوات أتت لنا من أقصى جنوبنا لإحياء لغة أخرى!
لم تنشأ حرب اللغات فى مصر حديثاً، بل قد تم تغذيتها منذ عقود بدعوات شتى وبمعالجات مبتورة لم تعالج القضية فى إطار النسيج الوطنى الواحد لشعبنا. ورغم أن الحل ميسور، إن نحن نظرنا من منظور الأمة الواحدة والوطن الواحد، إلا أننا غالباً ما نتناسى هذا البعد لنجد أنفسنا أسرى حلول نفعية لابد أن تؤدى إلى عواقب لا نتمناها. والأمر بهذا يستدعى أن نلتفت إلى تعريف الأمم المتحدة للهوية لنتيقن من وضع اللغة كمكون أساسى من مكونات الهوية.
الأمر لا يستدعى تبيان تقدم التركيب البنائى للغتنا العربية عن أى لغة أخرى وهو ما شهد به اللغويون العرب والأجانب على اختلاف توجهاتهم، ولا يستدعى التراث الثقافى المتقدم للعربية على أى لغة أخرى من اللغات التى يراد لها أن تزاحم لغتنا فى أوطاننا، لأن بنية اللغة واستيعابها لعلوم العالم فى أطول حضارة علمية عرفها العالم خير دليل على تفوقها.
لقد وجب علينا كعرب أن نذود عن حوض لغتنا، رمز هويتنا، أفراداً وجماعات ومؤسسات وهيئات، رغم أن المشهد اللغوى فى مصر وفى عالمنا العربى قد تم اختراقه بتلك الإرساليات وبمن يظن أن تقليد الغرب فى كل شىء: فى الملبس والمأكل واللغة وغيرها هو مدخل التنمية. لقد نُكبنا بهذا الفهم المغلوط للتنمية فنحينا لغتنا العربية عن مجالات الحياة العلمية وعن المشهدين الثقافى والتعليمى لننتج لغة شوهاء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s