القدرة قبل الخُطوة

أ.د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

لا أعتقد أن واقعة طرد أحد أعضاء مجلس الشعب من حزبه ومن المجلس لكذبه حدث ثانوى؛ لأن الكذب جريمة لا تُغتفر؛ فهى رأس الشر والفساد. والعجيب أن هذا الموقف الإيجابى والموجب من الحزب الذى يستحق الثناء والإشادة، لم يأخذ حظه من الاحتفاء. فى ظل ظروفنا يتوجب على مختلف مؤسساتنا أن تتوخَّى الصراحة فى أعمالها كافة ليس فقط احتراماً للمواطن، بل احتراماً لنفسها وللوطن قبل ذلك. دعونا نبحث فى تاريخنا عن موقع الصدق وعن موقع الكذب؛ لنكتشف أن الكذب أصل كل داء. لقد نُكبنا بحجب الحقائق عن جموع الشعب خلال فترات طويلة من تاريخنا الحديث، وكانت النتيجة سلسلة من الهزائم دفعت البعض للرغبة فى الهجرة لتصل نسبتها بين الذكور إلى 27% طبقاً للبيانات الرسمية، فى نفس الوقت الذى صرح فيه رئيس الوزراء فى مايو 2010م أن ثلاث دول فقط فى العالم حققت نمواً إيجابياً منها مصر.
استوقفنى تنادِى البعض بمحاسبة من أجرى مكالمة هاتفية أثمرت قراراً برفع حظر السفر عن الأجانب المقدمين للمحاكمة فى قضية التمويل الأجنبى للمنظمات الأهلية والأجنبية التى تعمل فى مصر بدون ترخيص وبترخيص، ثم تناقلت الأخبار نفس الأمر مع تعديل المتلقى والمتحدث فى قضية سحب الثقة من الحكومة الحالية؛ ليتقرر  تهدئة الأوضاع, وعدم تراجُع المجلس عن قراره بالسير فى إجراءات سحب الثقة من الحكومة كما جاء فى توصية مجلس الشعب, وذلك بأن تستهلك عملية الإجراءات القانونية الخاصة بسحب الثقة الفترة المتبقّية من عمر المرحلة الانتقالية التى لا تتجاوز ثلاثة أشهر!، والسؤال الآن إذا كان أداء الحكومة ليس على ما يرام فلماذا التباطؤ؟، والأهم لماذا التلويح بسحب الثقة إذا كان الموضوع لتحقيق مكاسب حزبية، كما يدور فى الأروقة؟، وفى موقف مماثل لماذا لم نترك “مبارك” الشهور المتبقية لحين انتهاء فترته الرئاسية إذا كان الأمر بالنسبة للوطن على التراخى؟، يبدو أن الممارسة السياسية الحالية والسابقة لا تعرف الطريق المستقيم والوضوح الذى لا بد منه للخروج من أزمة الوطن والمواطن. ولنتدارس ما صدر من المتحدث الرسمى للحزب الذى طرد ممثله الذى كذب (فى مفارقة عجيبة)، أن الحكومة تعاملت باستخفاف شديد مع قضايا الوطن ذات الأولوية, لكنه أضاف أن الحزب يرى أن الوقت غير مناسب لسحب الثقة, نظرًا لأن عمرها مرتبط بوضع الدستور, وانتخابات الرئاسة, ويجب التريث حتى الانتهاء من هذين الموضوعين. وهذا التناقُض المنهجى يشير إلى أن صلاحيات مجلس الشعب ليست واضحة لدى البعض، وأن الأمر لا يعدو أن يكون مناورة سياسية.
نحن نحتاج لحكم رشيد لا لتوافُقات تستقطع من المبادئ على حساب الوطن. القانون واضح بالنسبة لصلاحيات مجلس الشعب المطلقة، والتى لا معنى لها إن تم تقييدها كما يقول علماء الفلسفة وأساتذة القانون!، ولكن ترزية تفسير القوانين جاهزون لإعطاء الفتوى التى تتوافق مع رغبات مَن يطلبها، أو مَن يظن أن بيده العصا والجزرة (رغم أن بعضهم يملك قراره)، ولكن من طول فترة كبت الحريات لا نرى ما بأيدينا. مَن يتصدَّى للعمل العام عليه أن يدرك أنه ليس بالكم المهمل، بل له كينونة يستمدها من المبادئ القويمة، وليس من توافقات المواقف!، لعضو مجلس الشعب صلاحيات يستمدها من القانون، وعلينا أن ندرس القانون قبل أن نلوح بأى إجراء!، ويكفى أن نتذكر قضية التمويل الأجنبى؛ لنعرف أن الخطأ الأكبر فى الموضوع بدأ بالتلويح بما يظن البعض أنه لا يستطيعه، وإن كنت أعتقد شخصياً أننا نقدر عليه!، لسنا بصدد إبداء الرأى فى سحب الثقة من الحكومة أو عدمه، ولكن علينا أن نعرف أننا لا نلوح إلا بما نملك، وإلا فالصمت أسلم حتى لا نتلاعب بأعصاب وعواطف الشعب الذى أعطى النواب ثقته، وإلا فالممارسة سوف تنتقص من رصيد الأحزاب التى تناور وتداهن، أو التى ليس لها رؤية، أو لا تستطيع تطبيق رؤيتها!، ومازالت قضية سحب الثقة بين شدّ وجذب، وإن تشابكت خيوطها مع ما أُشيع أنه تحريض من الداخلية ضد مجلس الشعب، رغم أنه أمر يصعب تصديقه، وما أُشيع أنه تصالح مع المفسدين نزلاء سجن طرة وغيرهم!، وعجباً أننا مازلنا نتذكر قانون الفساد!
وفى سياق موازٍ فى المشهد السياسى بدأ فتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية، وليتنا نهتم فيه بالمناظرات الهادفة المحايدة بين المرشحين؛ فهى أسلوب متحضر لطرح الأفكار وتفنيدها. إننى مازلت أستمتع بالمناظرات التى تجرى فى انتخابات الرئاسة الأمريكية داخل الحزب الواحد وبين مرشحى الأحزاب المختلفة، وأغلبها موثق على شبكة “الإنترنت”. ورغم أن فترة الصمت الانتخابى عادة ما تكون قبل أيام الاقتراع مباشرة إلا أننا هنا رأينا غير ذلك، فالفترة الحالية فترة صمت انتخابى، وعلى جميع مرشحى الرئاسة الالتزام بذلك، وإلا فالحبس عقوبة جاهزة بموجب القانون؛ حيث هدد رئيس المحكمة الدستورية واللجنة القضائية العليا لانتخابات الرئاسة بحبس المرشح المخالف‏!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s