الفساد والزعامة واللغة وانتخابات الرئاسة

أ.د. محمد يونس الحملاوى

يشيع البعض أن المشاركة فى الفساد فى العقود الماضية أدمغ الجميع ولكننى أرى أن الأمر يحتاج لمراجعة موقف كل فرد فليس صحيحاً أننا جميعاً شاركنا فى الفساد فى مواقعنا، لأن البعض قد كافح من خلال موقعه ضد الفساد والأمثلة عديدة على ذلك، ولأن كان المقصود بالمشاركة فى الفساد السكوت عليه فى جوانب خارج اختصاص الفرد فمن الصعب استثناء قلة. القضية التى أعتقد أنها الأجدر بالاهتمام هى المشاركة فى الإفساد الذى يحصر الأمر فى حدود واضحة المعالم. الإفساد شارك فيه جل من تبوأ موقعاً تنفيذياً بدون مؤهلات علمية معلنة بل بناء على تقارير مشخصنة تستثنيه وتستبعد مَن هو أكفأ منه وهو ما ينطبق على أغلب حالات الإدارة العليا! الأمر الخطير فى الموضوع أننا بالترويج لهذا نضع من كان مكانه السجن فى مرتبة مساوية لغالبية الشعب المقهور، وبالتالى يسهل الترويج لأذناب النظام السابق ليحتلوا صدارة المشهد! ألا ترى أن مَن ساهم فى إفساد الحياة السياسية طيلة الثلاثة عقود الأخيرة يجب أن يقدم للمحاكمة بتهمة الفساد والإفساد؟ أليس هذا هو ما يتم حال إعادة بناء المجتمعات وهو حال أمتنا الآن؟ أليس ترك الأمر للشارع ليحكم على الجميع إهدارًا للغرض من وضع القوانين؟ إن تنقية الأجواء الانتخابية بمحددات موضوعية لمساعدة للجميع متعلمين وغيرهم ومثقفين وغيرهم لجد مطلوب.

فى حوار لأحد مرشحى الرئاسة أشار إلى عدم وجود مَن يملك القبول الجماهيرى الطاغى (كاريزما) للرئيس بين المرشحين وهو حقيقى، ويكمل هذا الشق مَن ينادى بأننا لا نريد زعيماً بل رئيساً، وهو أمر خطير حينما يصدر من بعض المثقفين. فحين نرصد واقع الشارع المصرى نجد صوراً لجمال عبد الناصر وجيفارا وغيرهما من الزعماء على السيارات بل ونستمع لفقرات من خطب عبد الناصر وصدام حسين ضمن نغمات المحمول، والأمر الملفت للنظر أن ذلك يحدث من شرائح اجتماعية متباينة، وهو ما يعنى التعطش لقائد وزعيم. قضية بناء الوطن تحتاج إلى زعيم فما من أمة قفزت فى مدارج المدنية إلا من خلال رؤية زعيم! ورغم ذلك هناك بين المرشحين مَن يصرح برفضه وضع برنامج مكتوب لأنه يؤمن بنظرية البرنامج العملى!

عقب الحرب العالمية الثانية وما لحق بفرنسا من فساد سأل ديجول أندريه مارلو الذى أصبح فيما بعد وزيراً لثقافة فرنسا، سأله عن الفساد فى الجامعة والقضاء فكانت الإجابة أنه لم يستفحل بعد فهو على نحو محدود، فرد ديجول باستطاعة إعادة بناء فرنسا. ولن أضيف أن أحد نواب رؤساء الوزارة فى مصر حذر من أن الفساد قد بدأ يطرق أبواب الجامعة وأبواب القضاء، ولابد من تدارك الأمر. قضية الفساد تحتاج إلى تكاتف مختلف الجهات لحصاره والقضاء عليه. ولن أضيف جديداً بذكر أن للفساد صوراً متعددة مالياً وفنياً وتنموياً وأخلاقياً وقيمياً ولغوياً. لقد كان ديجول زعيماً لفرنسا استطاع أن يأخذ أصعب القرارات فتحت اشتداد وطأة وصمود ثوار الجزائر بلد المليون شهيد انتزعت الجزائر استقلالها فى عهده، والتى كانت فرنسا تعتبرها امتداداً طبيعياً لها جنوب المتوسط. لكم كان اعتزاز ديجول بفرنسيته وبلغته، وهو الذى كان يستحضر كلمة أو كلمتين فرنسيتين مهجورتين فى كل خطبة لإحياء الفرنسية، وهو الذى ذهب لمقاطعة كويبيك بكندا حيث يتحدثون الفرنسية ونادى باستقلالها! ولا يضيره أن سلوك فرنسا تجاه الجزائر وما احتلته سلوك المحتل فتلك فلسفة تجذرت فى نفوس الغرب حيث لا يوجد لديهم المطلق مثلما هو الحال فى ثقافتنا. وهنا لابد لنا من وقفة لأننا تركنا المطلق وأخذنا بالنسبى فى أسوأ أوضاعه بين أبناء الوطن الواحد عكس ما يمارسه الغرب، وترعرع لدينا الفساد حتى تجذر، فالأمر عندنا من التعقيد الذى يكاد ينحسر عنه الأمل، فالذى يبقى الأمل فقط هو أن البشرية تسير فى اتجاه قيمنا المطلقة مما يعزز لدينا الثقة بالنفس والاعتداد بقيمنا المطلقة ويَبقى أن نبذل الجهد لنتحصل على النتيجة! فى هذا السياق أتذكر مقولة الحاكم الفرنسى فى الجزائر بعد مرور مائة عام على احتلالها: يجب أن نقتلع اللسان العربى من ألسنتهم، حتى ننتصر عليهم. قضية اللغة فى قلب المعركة فلقد أصدرت فرنسا على سبيل المثال بعد أربع سنوات من احتلالها الجزائر قانوناً يجعل العربية لغة أجنبية. ويشير التاريخ إلى أن احتلال منطقتنا رد منطقى على طموحنا ساهمنا فيه بالتقاعس وبطابور خامس؟ أمتنا العربية عصية على الانسلاخ من جلدها ولكن عليها بذل الجهد للوصول إلى مكان تستحقه.

ولنتساءل أليست العربية الصحيحة من صحيح هويتنا؟ أأصبحت العامية وعاءً للثقافة أم أنها خطة بدأت فى الشارع وتبناها مرشحو الرئاسة لنصل بالمجتمع إلى تدنى أكثر مما هو فيه؟ هلا تساءلنا عن المعايير التى يمكن على أساسها أن ننتخب شخصاً بعينه يصلح للرئاسة فى الظرف الحالى. ورغم وضوح تأثير اللغة على مسيرة المجتمع إلا أن استخدام اللغة كمؤشر لحالة المجتمع وأفراده بات غائباً وهو جد مطلوب فى ظل تداخلات المشهد السياسى الذى يحياه مجتمعنا فى الوقت الراهن، الأمر الذى يقودنا للتساؤل: هل يمكن أن تكون اللغة أحد معايير اختيار مرشحنا لرئاسة مصر؟

أخيراً أرجو ألا يشملنى فيما سطرت قول أبى علاء المعرى منذ أكثر من عشرة قرون:

ولما رأيتُ الجهلَ فى الناسِ فاشياً:: تجاهلْتُ حتى ظُنَّ أنّى جاهل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s