الرقابة والإدارة والإرادة الشعبية

د. محمد يونس الحملاوى

أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

أجل إن ذا يوم لمن يفتدى مصر، فمصر هى المحراب والجنة الكبرى، حلفنا نولى وجهنا شطر حبها، ونبذل فيه الصبر والجهد والعمر؛ كلمات رددناها فى كثير من الأوقات ومازالت ترن فى أذنى وأذن من عاش معارك الأمة خلال أكثر من نصف قرن خاصة مع تسارع أحداث لا نجد لها ما يبررها سوى أنها استجابة طبيعية لانعدام الهدف فلقد ضاعت خريطة الوطن من العديد ممن يتصدرون المشهد دفاعاً عن مكاسب وقتية لا تتعدى وقع الخطوة السابقة لأقدامهم! لم أستغرب ارتفاع وتيرة العنف فى المجتمع مع قرب انتهاء حكم العسكر الذى أتمنى أن ينتهز الفرصة لتسليم إدارة البلاد لسلطة مدنية مؤقتة (رئيس مجلس الشعب) كما ينص الدستور وكما وعد؟! القضية باتت رؤية تنهش فى جسد الوطن ووطن يبحث عن بعضه.. لا يمكن لأحد ألا يفكر فيما حدث فى بورسعيد فى سياق عنف متزايد على العديد من المناطق ومنها جرائم سطو مسلح نادراً ما كانت تحدث فى مصر.. القضية دائماً تشير إلى طرف ثالث مجهول لنا معلوم بالضرورة للأمن وللمباحث وللمخابرات بفروعهم المختلفة فهل لنا أن نتأكد منهم! فى سياق التعليقات على ما حدث خلال العام الماضى على مواقع التواصل الاجتماعى بتنا نسمع عن ادعاءات البطولة من متعصبى الأندية كونهم كانوا يتصدون للأمن فى المباريات (شغب)! وتطور الأمر الآن ليكون تعريف الثورة هو الشغب! لم نكن نسمع عن أى دور سياسى للأندية فى السابق ولكن ادعاء البطولة أصبح متاحاً لجميع من قفز على المشهد! العجيب فى الأمر أن أحداً لم يتصد لذلك فالجل مدان والجل قفز على كعكة الوطن لينهشها! ودعونا ننظر لمشهد الوطن الذى يُراد تقسيمه باستعداء الفصائل المختلفة على بعضها؛ البورسعيدية على القاهريين والعكس بالعكس والنوبيون على غيرهم والعكس بالعكس! لقد غاب عن الجميع أن حياتنا جميعاً فى خطر! ودعونى أتساءل ألم تحدث تطاحنات بين جمهور ناديين فى بورسعيد منذ فترة قصيرة؟ وليزداد حجم التساؤل، لماذا نسمح الآن بتجمعات غير مأمونة فى تفريغ لطاقة الشباب بصورة سلبية لا رياضة حقيقية فيها؟ ألم يخطر ببالنا ما يمكن أن يحدث خاصة مع إعلاننا أن على الجماهير أن تُؤمن أنفسها ومع وقوف العسكر والشرطة على الحياد بدون تدخل! دعونى أفهم سالب الصورة على أنها دعوة للتحريض والسماح بالتغاضى عن أية أعمال؟! القضية باتت أكبر مما نتخيله وأدرك العامة قبل الخاصة، فالمخطط الدقيق لهدم بنيان الدولة يستدعينا للمشاركة فى إحباطه.. ولكن كيف؟ فى إشارة عفوية من رئيس المجلس العسكرى تعليقاً على أحداث بورسعيد أشار إلى دور الجماهير فى التصدى لما يحدث وهى إشارة وإن جاءت متأخرة إلا أنها تفتح باباً واسعاً من أبواب المشاركة المجتمعية فى إدارة شئون البلاد.. لقد غاب عنا – حاكمين ومحكومين – أن خطواتنا لابد أن تكون استباقية وليست ردود أفعال! لا يمكننا تجاهل الترابط الجماهيرى الذى حدث خلال بدايات شهر فبراير 2011م وللأسف الشديد فإن ذلك الزخم التلاحمى بين أبناء الحى الواحد لم يستمر لأسباب عديدة ولكنها تجربة موجبة فى هذا الجانب وهو ما يستدعى تكرارها وتثبيتها بتقوية الجانب الشعبى فى إدارة التجمعات السكنية والأحياء. وليس هذا انتقاصاً من دور المحليات بل تعضيض لها وتكامل ورقابة! والأمر ليس بهذا اليسر الذى نخط به الكلمات ولكنه يتطلب عملاً دءوباً آخذين فى الاعتبار أن التجمعات الصغيرة فى العمارة الواحدة أحياناً تتشاحن فيما بينها ولا تتفق على أغلب أعمالها بالكامل وهو مرض اجتماعى مرده لعدة أسباب منها الأنانية والتوجس من الآخر والعزوف عن العمل الجماعى.. ولنتذكر كم العمل الجماعى الذى نحياه بعيداً عن الأعمال التى ترتبط فيها المصالح حال كون رأس المال مملوكاً ملكية عامة! الأمر المؤسف أن نتخاذل عن العمل الجماعى ونتطاحن ولا نتبع إلا الأنا الوحيدة! ولنتذكر التشاركات العالمية وكيف بدأت بين أفراد العائلة الواحدة أو بين الأصدقاء وكيف نمت وترعرعت بالتراكم. يقول المثل الإنجليزى: يحتاج الأمر إلى أربعة أجيال لنصنع لورداً؛ وهو ما يشير إلى تراكم العمل، أما عندنا فالتفتيت والأنانية أصبحا سمة غالبة رغم ما تذخر به ثقافتنا من الحث على التعاون والتكاتف ولكننا أدرنا ظهورنا لهذا كله وبتنا نبحث عن السطحية فيما نراه على شاشات الإعلام دون التعمق حتى فى الصورة! الأمر لا يحتاج إلى كثير ذكاء إن شاهدنا كيف يمكن لفرد أن يبيع وطنه من أجل حفنة دولارات! الأغرب فى الأمر أننا لا نضع فى حسباتنا أن جميع وكل من تضرر من رفض الظلم سيقف مكتوف الأيدى! فلنقلها صراحة: كفى لكم ما نهبتموه ولتكشف الحكومة عن المتورطين بالمال والمساندة والتخطيط من خارج وداخل الأسوار ثم فلتحاسبهم، أم أن هناك رؤية أخرى؟! أتمنى ألا ينطبق علينا قول شاعرنا الفارس عمرو بن معدى كرب بن ربيعة الزبيدى منذ أكثر من أربعة عشر قرناً:

لقد أسمعت لو ناديت حيا:: ولكن لا حياة لمن تنادى

ولو نار نفخت بها أضاءت:: ولكن أنت تنفخ فى رماد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s