الجامعة والانتفاضة المرجوة

أ.د. محمد يونس الحملاوى
أستاذ هندسة الحاسبات، كلية الهندسة، جامعة الأزهر

حين ننظر إلى الموقف السياسى الحالى وإلى شطط العديد من القوى السياسية بعيدًا عن واقع المجتمع نلحظ غيابًا شبه تام للجامعات المصرية عن الساحة وهى التى أنفقت عليها الأمة من مالها الكثير لتكون لها مراكز تفكر لحل أزماتها! لم تنشط الجامعات لأنها جُبِلت على أن تقوم بوظيفة تلقين الطلبة بعض العلم دون استيعاب لأغلبه. الجامعة تحتاج إلى انتفاضة من نوع خاص، تحتاج إلى أن يقوم بعض ناشطيها بمبادرات لمدارسة الموقف السياسى وتقديم الرؤى والحلول لما يواجهه الوطن. ورغمًا عما يعترى الحالة السياسية من غيوم نتيجة محاولات استنساخ النظام القديم بحلة جديدة والتى ينشط فيها رموز النظام القديم كاللئام على مائدة الجميع مهما كانت كينونته، مستغلين عدم استعداد النظام الجديد لأعباء الحكم وهم الذين ما تخيلوا أن يؤول إليهم حكم مصر فى يوم من الأيام فلم يستعدوا له! أما وقد أتى ذلك اليوم بدعوات للتنمية والعدل فلا يليق بأى وطنى أن يخذل الركب، بل وعلينا تدعيمه بالنصح والإرشاد والفعل من خلال منظومة حكم رشيدة فالأمر مدعاة لاستنهاض الهمم. تحدثت منذ أيام مع إحدى من تُكِن للنظام الجديد كراهية شخصية ورغم ذلك كان حديثها كله مفعمًا بالأمل عن دعم هذا النظام الذى اختاره الشعب بكامل إرادته وعما يمكننا بذله لمساعدته. حقاً لقد استمعت واستمتعت لحديث محدثتى الذى أظهر حجم تقصير أساتذة الجامعة فى الموقف الحالى رغم وجود بعضهم فى سدة الحكم.

الجامعات معامل لشعوبها ولكنها هنا لم تصل لمستوى المدارس كما يجب أن تكون كمحفز للطلاب ومفجر لطاقاتهم وكقدوة فى العلم والعمل والسلوك بجانب عرض المادة العلمية بأسلوب شيق مبتكر. كان هذا جزءًا من مدرسة الماضى الحكومية، حيث المنظومة التعليمية أقوى من اللامنظومة الحالية. زمن كانت فيه المدرسة الحكومية هى أساس التعليم للغنى وللفقير، وكانت فيه المدرسة الخاصة فى الأغلب للمتعثرين عكس ما نعتاده هذه الأيام. فى زمننا الحالى نجد وللأسف أن ضحالة التعليم فى المراحل قبل الجامعية قد انتقلت إلى الجامعات الحكومية وغير الحكومية وبات التعليم رهنًا بالطالب بالأساس بالمعاندة لجو التعليم فى الجامعة الذى لا يضيف للطالب إلا القليل إن رغب حتى أن بعض خريجى الجامعات باتوا على درجة متدنية من التخصص لا يؤهلهم لعمل حقيقى فى تخصصهم. أما الجامعات شبه الأجنبية فهى فى أغلبها مختلفة حيث هى معامل تفريخ للبعض للعمل بالخارج فى الدول الأجنبية بتكلفة لا تكاد تُذكر بالنسبة لتكوين شباب علميين فى تلك الدول، إضافة إلى أن تلك التكلفة ساهم فيها المجتمع المصرى فكأنما هو يدفع تكلفة تعليم وتنشئة بعض العاملين فى الدول الأجنبية ثم يستدين لأن ما لديه وضعه فى حصالة مثقوبة! وحتى نتبين الوضع بصورة أدق علينا أن نلحظ أين يذهب خريجو تلك الجامعات سواء فى الداخل أم فى الخارج. ولنضف إلى قتامة الصورة التى أنشأها أساتذة من مصر تلبية لرغبة ليست بالقطع وطنية (حيث نجد على أحد مواقع مجلس الوزراء المصرى أن من أهداف التعليم تخريج أكفاء للعمل فى الدول الأجنبية!) أقساماً فى جامعاتنا الحكومية تعلم العلم بلغات أجنبية تأسيًا بقرارات غير علمية سمحت بتعليم علوم الرياضات والأحياء فى مدارسنا بلغات أجنبية ثم تمادت فأنشأت مدارس حكومية سمتها كذبًا مدارس تجريبية لغات حيث تعلم المواد العلمية فقط بلغات أجنبية وأهملت المدارس الحكومية العربية التى هى ركيزة التعليم الوطنى! وواكب ذلك فتح مدارس أجنبية ينشأ بها الطفل على قيم ومفاهيم غريبة عن المجتمع من خلال لغة أجنبية تحمل قيمًا تتصادم أحيانًا مع قيم مجتمعنا ثم هى فى النهاية قيمًا أقل إيجابية بالنسبة للمجتمع من قيمنا الأصيلة! ورغم أن مأساة التعليم الحالى شارك فيها أغلب أساتذة الجامعات إما كفاعلين أساسيين وإما بالتغاضى والسير فى الركب إلا أن المشهد لا يخلو من مقاومات هنا وهناك من البعض. فى هذه الصورة السلبية لابد للجامعة أن تنتفض لتزيل عنها وعن الأمة غبار التخلف. ولكن كيف؟ أذكر أحد الأمثلة التى عاصرتها وهى ائتلاف النهوض بالأزهر الشريف بهدف وحدة المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية واستقلالها من خلال دمج أجهزة الدعوة الإسلامية (وزارة الأوقاف ودار الإفتاء) فى مشيخة الأزهر الشريف، وإدارة مؤسسة الأزهر الشريف بمعايير علمية دقيقة بمختلف مستوياتها بشفافية وعدالة وفقًا للضوابط الشرعية، واستقلال الأزهر الشريف من هيمنة الحكومة وأجهزتها المختلفة، وإعادة هيكلة نظام الأزهر الشريف الداخلى؛ بمختلف قطاعاته؛ رفعاً لكفاءة عمله وبما يتيح له ولأعضائه النهوض به ونشر رسالته الصحيحة. وبعد قرابة عام ونصف من العمل الذى تعارض مع أولويات المرحلة السابقة بتنا نفتح الملف مرة أخرى لإصلاح المؤسسة الأزهرية! وليس هذا هو الواجب الوحيد على أساتذة جامعة الأزهر والجامعات المصرية فالواجب الأكبر هو المشاركة فى وضع خطط الإصلاح الإدارى والاقتصادى والسياسى ومدارسة الحلول المطروحة لآليات عمل الدولة ومنها الدستور والقوانين عامة. القضية أكبر من مدارسة الأمور ووضع الحلول فهى فعلاً انتفاضة للجامعة. لقد تقاعست أغلب نوادى أعضاء هيئات التدريس فى الجامعات عن القيام بدورها لأنها صنيعة النظام السابق فهل للبعض أن يأخذ زمام المبادرة لإنهاض الجامعة والوطن؟ ويتوازى مع هذا العمل دعوة أعضاء الحزب الحاكم فى الجامعة وفى مختلف مرافق الدولة بأخذ زمام المبادأة بتصدر العمل المجتمعى والإصلاحى فى مختلف مؤسسات الدولة. شئنا أم أبينا سوف يحسب نجاح أو فشل المرحلة الحالية للحزب الحاكم أو عليه، ويتوازى مع ذلك شئنا أم أبينا أن واجب الوقت على كافة المخلصين دفع الوطن بوضعه المنتخب للصدارة!

يقول شاعرنا المتنبى منذ أكثر من ألف عام:

وَمَنْ يَجِدُ الطّرِيقَ إلى المَعَالى:: فَلا يَذَرُ المَطىَّ بِلا سَنَامِ

وَلم أرَ فى عُيُوبِ النّاسِ شَيْئاً:: كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s